أبو علي سينا
79
القانون في الطب ( طبع بيروت )
وأما أول الأمعاء ، فليس بجزء من المعدة ، بل شيء متصل بها من قريب ، ولذلك ليس يتدرّج إليه الضيق ، ولا طبقاته نحو طبقات المعدة ، ومع ذلك فإن جوهر المريء أشبه بالعضل ، وجوهر المعدة أشبه بالعصب ، وينخرط جزء من المعدة من لدن يتصل بها المريء ، ويلقى الحجاب ويتسع من أسفل لأن المستقرّ للطعام في أسفل ، فيجب أن يكون أوسع ، وجعل مستديراً لما تعلم فيه من المنفعة مسطّحاً من ورائه ليحسن لقاؤه الصلب ، وهو من طبقتين داخلتهما طولية الليف لما تعلم من حاجة الجذب ، ولذلك تتعاصر المعدة عند الازدراد ، وترتفع الحنجرة والخارجة مستعرضة الليف لما تعلم من حاجة إلى الدفع . وإنما جعل الليف الدافع خارجاً لأن الجذب أول أفعالها وأقربها . ثم الدفع يرد بعد ذلك ، ويتمّ بالعصر المتسلسل في جملة الوعاء ليدفع ما فيها ، ويخالط الطبقة الباطنة ليف مورب ليعين على الإمساك . وجعل في الجاذب دون الدافع ، فلم يخلط بالطبقة الخارجة ، وأعفي عنه المريء إذا لم يكن الإسهال . وجميع الطبقة الداخلة عصبي لأنه يلقى أجساماً كثيفة ، وإن الخارجة فقرها أكثر لحمية لتكون آخراً فيكون الهضم ، وفمها أكثر عصبية ليكون أشد حساً ، ويأتيها من عصب الدماغ شعبة تفيدها الحسّ لتشعر بالجوع والنقصان ، ولا يحتاج إلى ذلك سائر ما بعد فم المعدة ، وإنما تحتاج المعدة إلى الحس لأنها تحتاج أن تتنبّه إذا خلا البدن عن الغذاء ، فإنه إذا كان الطرف الأول حساساً كسّاباً للغذاء لنفسه ولغيره ، ولم يحتج ما بعده إلى ذلك لأنه مكف بتحمل غيره ، وهذا العصب ينزل من العلو ملتوياً على المريء ، ويلتف عليه لفة واحدة عند قرب المعدة ، ثم يتصل بالمعدة ويركب أشد موضع من المعدة تحدّباً عرق عظيم يذهب في طولها ، ويرسل إليها شعباً كثيرة ترتبط به تتشعب دقاقاً متضامة في صف واحد ، ويلاصقه شريان كذلك ، ويثبت من الشريان مثل ذلك أيضاً . ويعتمد كل منهما على طي الصفاق ، ويتشنج من الجملة الثرب على ما نصفه . والمعدة تهضم بحرارة في لحمها غريزية ، وبحرارات أخرى مكتسبة من الأجسام المجاورة ، فإن الكبد تركب يمينها من فوق ، وذلك لأن هناك انخراطاً يحسّ تمطيه . والطحال منفرش تحتها من اليسار متباعداً يسيراً عن الحجاب لتداريه ، ولأنه لو ركب هو والكبد جميعاً مطاً واحداً لثقل ذلك على المعدة ، فاختير أن تركبها الكبد ركوب مشتمل عليها بزوائد تمتد كالأصابع ، وينفرش الطحال من تحت ، ومع ذلك ، فإن الكبد كبيرة جداً بالقياس إلى الطحال للحاجة إلى كبرها . وكيف لا ، وإنما الطحال وعاء لبعض فضلاتها ، فيلزم أن يميل رأس المعدة إلى اليسار تفسيحاً للكبد ، فضيق اليسار وميل أسفله إلى فضاء تخلية للكبد من تحت فينفسح أيضاً مكان الطحال من اليسار ومن تحت ، فجعل أشرف الجهتين وهو فوق واليمين للكبد ، وأخسّهما المقابل لهما للطحال . هذا وقد يدفيها من قدام الشرب الممتد عليها ، وعلى جميع الأمعاء من الناس خاصة ، لكونهم أحوج إلى معونة الهضم لضعف قواهم الهاضمة بالقياس إلى غيرهم . وجعل كثيفاً ليحصر الحرارة رقيقاً ، ليخفّ شحمها ، فيكون مستحفظاً للحرارة من قدّام ،